مجمع البحوث الاسلامية
31
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
لا ينزل العذاب ، فحينئذ كان يظهر كذبه فيما أخبر . ومعلوم أنّ محمّدا صلّى اللّه عليه وآله كان من أعقل النّاس ، فلا يليق به أن يعمل عملا يفضي إلى ظهور كذبه ، فلمّا أصرّ على ذلك ، علمنا أنّه إنّما أصرّ عليه لكونه واثقا بنزول العذاب عليهم . وثانيهما : إنّ القوم لمّا تركوا مباهلته ، فلو لا أنّهم عرفوا من التّوراة والإنجيل ما يدلّ على نبوّته ، وإلّا لما أحجموا عن مباهلته . فان قيل : لم لا يجوز أن يقال : إنّهم كانوا شاكّين ، فتركوا مباهلته خوفا من أن يكون صادقا ، فينزل بهم ما ذكر من العذاب ؟ قلنا : هذا مدفوع من وجهين : الأوّل : أنّ القوم كانوا يبذلون النّفوس والأموال في المنازعة مع الرّسول عليه الصّلاة والسّلام ، ولو كانوا شاكّين لما فعلوا ذلك . الثّاني : إنّه قد نقل عن أولئك النّصارى أنّهم قالوا : إنّه واللّه هو النّبيّ المبشّر به في التّوراة والإنجيل ، وإنّكم لو باهلتموه لحصل الاستئصال ، فكان ذلك تصريحا منهم بأنّ الامتناع عن المباهلة كان لأجل علمهم بأنّه نبيّ مرسل من عند اللّه تعالى . السّؤال الثّالث : أليس أنّ بعض الكفّار اشتغلوا بالمباهلة مع محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم ؟ حيث قالوا : اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ الأنفال : 32 ، ثمّ إنّه لم ينزل العذاب بهم ألبتّة ، فكذا هاهنا ، وأيضا فبتقدير نزول العذاب ، كان ذلك مناقضا لقوله : وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ؟ الأنفال : 33 . والجواب : الخاصّ مقدّم على العامّ ، فلمّا أخبر عليه السّلام بنزول العذاب في هذه السّورة على التّعيين ، وجب أن يعتقد أنّ الأمر كذلك . [ ثمّ ذكر السّؤال الرّابع في اتّصال قوله إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ آل عمران : 62 بما قبله فلاحظ ] ( 8 : 85 ) نحوه النّيسابوريّ . ( 3 : 212 ) ابن عربيّ : إنّ لمباهلة الأنبياء تأثيرا عظيما ، سببه اتّصال نفوسهم بروح القدس ، وتأييد اللّه إيّاهم به ، وهو المؤثّر بإذن اللّه في العالم العنصريّ ، فيكون انفعال العالم العنصريّ منه كانفعال بدننا من روحنا ، بالهيئات الواردة عليه ، كالغضب ، والحزن ، والفكر في أحوال المعشوق ، وغير ذلك من تحرّك الأعضاء عند حدوث الإرادات والعزائم ، وانفعال النّفوس البشريّة منه كانفعال حواسّنا ، وسائر قوانا من هيئات أرواحنا . فإذا اتّصل نفس قدسيّ به أو ببعض أرواح الأجرام السّماويّة والنّفوس الملكوتيّة ، كان تأثيرها في العالم عند التّوجّه الاتّصاليّ تأثير ما يتّصل به ، فتنفعل أجرام العناصر والنّفوس النّاقصة الإنسانيّة منه بما أراد . ألم تر كيف انفعلت نفوس النّصارى من نفسه عليه السّلام بالخوف ، وأحجمت عن المباهلة وطلبت الموادعة ، بقبول الجزية ! ( 1 : 193 ) القرطبيّ : ( أَبْناءَنا ) دليل على أنّ أبناء البنات يسمّون أبناء ؛ وذلك أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم جاء بالحسن والحسين ، وفاطمة تمشي خلفه وعليّ خلفها ، وهو يقول لهم : « إن أنا دعوت فأمّنوا » وهو معنى قوله : ثُمَّ نَبْتَهِلْ . [ إلى أن